
من جدوى المشروعات إلى حوكمة الثروات.. كيف تُدار الاستثمارات العقارية بكفاءة؟
د. نوف الغامدي
باحثة في الاقتصاد والحوكمة
أ.د.وليد الزامل
أستاذ التخطيط العمراني بجامعة الملك سعود

تشهد المدن السعودية تحولات عمرانية متسارعة في ظل التوسع في المشاريع التنموية والعقارية، ما يطرح تساؤلات حول دور التخطيط العمراني في تحقيق التوازن بين النمو الحضري واستدامة المدن، وانعكاس هذه التحولات على جودة الحياة والسكان.
وفي حوار مع «عقار ميديا»، يتحدث أ.د. وليد الزامل، أستاذ التخطيط العمراني بجامعة الملك سعود، عن أبرز التحديات التي تواجه المدن السعودية، ومستقبل مشاريع إعادة التطوير، وأهمية مراعاة حقوق السكان والهوية العمرانية، إلى جانب دور التخطيط في تعزيز كفاءة الاستثمار العقاري وتحقيق التنمية الحضرية المستدامة.
ما أبرز التحولات التي تشهدها المدن السعودية في ظل النهضة العمرانية الحالية، وما التحديات التي قد تؤثر في استدامتها؟
المدن السعودية تشهد تحولات كبرى منذ ظهور رؤية السعودية 2030 والتي اثرت بشكل واضح على مفاهيم المدن لدى صانعي القرار بالتحديد تحول الفكر من مدن مجرد مستقرات إلى محركات تنموية.
أبرز هذه التحولات التي شهدتها المدن، أولاً، ضخ العديد من المشاريع النوعية والمدن الجديدة والعمل على استضافة فعاليات عالمية كبرى.
ثانياًَ، التحول الاقتصادي والعمل على الاستفادة من البنية التحتية في المدن الكبرى لجذب الاستثمارات.
ثالثاً، التحول الرقمي، والتوجهات الحثيثة في دعم البنية الذكية.
رابعاً، التحول في نظام الحوكمة، العمل على تحديث أو محاولة تطوير المنظومة الادارية حيث بدأت العديد من القطاعات باستحضار مؤشرات لقياس الأداء وبناء خطط استراتيجية طويلة المدى ودفع عجلة المشاركة المجتمعية.
لكن هذا لا يعني عدم وجود تحديات تواجه المدن السعودية في إطار مبادئ الاستدامة ولعل أبرزها: أولاً، النمو السكاني في بعض المدن وضعف التوازن في التنمية الإقليمية بما يدعم مبدأ الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة. ثانياً ندرة الموارد المائية، نمو المدن يجب أن يتوافق مع موارد المياه ودعم خطط ترشيد المياه والاستفادة من المياه الرمادية. ثالثاً، التمدد العمراني، لا زالت العديد من المدن تنمو بلا وجود إطار واضح هذا النمو يؤدي إلى إشكالات بيئية، ويزيد من الطلب على الخدمات والإسكان ويضاعف حجم الازدحام المروري. رابعاً، الحفاظ على الهوية العمرانية، بدأت العديد من المبادرات تظهر للتأكيد على أهمية الحفاظ على الهوية العمرانية وهذا تحدي يواجه المدن فالهوية ليست مرتبطة بالنسق العمراني أو الطراز المعماري بل في استيعاب التجربة الاجتماعية في المكان وبناء نموذج عمراني سعودي مرن قادر على التكيف لتحديات المستقبل.
مع التوسع العمراني المتسارع، كيف يمكن ضمان توافق النمو الحضري مع قدرة البنية التحتية والخدمات على استيعابه؟
اولاً لابد أن يكون التوسع العمراني مدروس بحيث يتوافق مع الموارد المتاحة وخاصة الموارد المائية وحجم ما تطرحه المدينة من وظائف.
التوسع العمراني يجب إلا يستمر بلا حدود فالمدينة لا يمكنها أن تتوسع إلى ما لا نهاية لأن ذلك سوف يؤثر على مستويات الوصولية، أسعار الإسكان، وتفاوت الفرص المعيشية. وعليه يجب ألا ينظر الى المدينة باعتبارها كيان منعزل عن الإقليم؛ بل هي تؤدي وظيفة ضمن حيز جغرافي يتكامل مع سياقه الحضري.
الخطط الإقليمية بالغة الأهمية لأنها ترسم اهداف كل مدينة وتوزع الأدوار والوظائف بما يتوافق مع الطاقة الاستيعابية والموارد المتاحة. وأرى ان حلقة التخطيط الإقليمي لا زالت بحاجة الى مزيد من الاهتمام بحيث تربط الخطط الوطنية بالخطط المحلية.
ما دور التخطيط العمراني في الحد من التفاوت بين أحياء المدن السعودية من حيث جودة الخدمات والمرافق العامة وإمكانية الوصول إليها؟
أحد أهم غايات التخطيط العمراني هو تحقيق العدالة الاجتماعية في المدن.. اليوم الأدبيات الحديثة تجاوزت مفاهيم الاستدامة نحو المدن العادلة.. أصبحت العديد من البحوث تتناول قضايا العدالة وتوزيع الموارد والطاقة.. التخطيط العمراني يعمل على تقليص الفجوات التنموية وتحقيق المصلحة العامة ورسم السياسات العمرانية التي لا تجعل قوى السوق تهيمن على المشهد الحضري العام للمدينة.
ويشمل ذلك تعزيز القدرة على الوصولية للخدمات والأنشطة الحيوية في المدينة ورفع كفاءة الاحياء القائمة وتنويع الخيارات السكنية بما يساهم في دعم القدرة الاقتصادية لمحدودي الدخل.
لذلك يسعى التخطيط العمراني لتطوير سياسات حضرية تؤكد على تعزيز التكامل الاجتماعي وتوجيه الاستثمارات بحيث لا تؤثر على محدودي الدخل وتدعم مبدأ تكافؤ الفرص. لأن التخطيط العمراني ليس مقتصرا على تقسيم الأراضي وتوزيع الاستعمالات الحضرية؛ بل تحقيق العدالة المكانية وتوزيع الفرص والخدمات للجميع.
كيف يمكن توظيف القرارات التنظيمية الجديدة المتعلقة بالأراضي والتطوير العقاري في تعزيز كفاءة استخدام الأراضي والحد من تعثر التنمية العمرانية؟
من خلال تشريعات عمرانية تشجع على ابتكار أفضل الحلول التي تستغل الأرض بما يخدم المصلحة العامة، فالتطوير العقاري لا يعني استغلال الأرض اقتصادياً ولكن تعيين الاستخدام الأمثل بما يحقق عوائد اجتماعية واقتصادية وبيئية.
وعلى ذلك لا بد من وجود محددات ارشادية للمطورين العقاريين تضع في عين الاعتبار كفاءة استخدام الاراض وتوفير بدائل عادلة لمحدودي الدخل وتطوير المناطق المتدهورة عمرانياً.. بعبارة أخرى علينا أن نفكر في بناء احياء مستدامة لا تنتهي عمرها الافتراضي ويهجرها سكانها بعد مرور 20 عاماً.
في بحثك عن المراحل الإجرائية لتطوير المناطق غير الرسمية في أواسط المدن السعودية، ما المرحلة الأكثر تأثيرًا في نجاح مشاريع إعادة التطوير على المدى الطويل؟
جميع المراحل هي هامه وتسير في نسق متوازن بداية من مرحلة التخطيط، فالتحليل، والتنفيذ والمتابعة والتقييم.. ولكن أرى ان حجم الإشكالية دوماً يبدأ من البداية والنهاية بمعنى قد تواجه مشاريع التطوير إشكالية في التخطيط وفي المتابعة والتقييم. لا بد من وضع خطة لتطوير المناطق العشوائية تستند إلى فهم البيئة العمرانية الحالية وعلاقه المجتمع بالمكان وتأثير المشروع على اقتصاديات السكان. غالباً ما يغفل المطورون هذه النقطة ويتعاملون من المناطق العشوائية باعتبارها مجرد كيان عمراني متدهور دون فهم المجتمع واقتصاديات السكان وتوفير البدائل التي تتلاءم مع حدود القدرة الاقتصادية لهم.
كيف يمكن تحقيق التوازن بين الجدوى الاقتصادية لمشاريع إعادة التطوير وحقوق السكان، خصوصًا فيما يتعلق بالتعويض والإسكان البديل والدعم الاجتماعي؟
دعونا نتفق أولاً ان مشاريع التطوير التي يشارك فيها القطاع الخاص غالباً ما تكون مجدية اقتصادياً واستغلال المكان بدافع اقتصادي ليس أمر سلبي، السلبية في عدم توفير بديل يتلاءم مع السكان وينسجم مع اقتصاداتهم. لابد من توفير بدائل متنوعة للسكان ليس بالضرورة تقديم دعم مالي؛ بل يمكن بناء مشاريع سكنية بديلة أو دعم ايجاري أو منح أراضي بالنسبة لي أؤيد بناء مشاريع سكنية أكثر من فكرة التعويض لأن المشاريع السكنية سوف تزيد من المخزون السكني الذي تم استنزافه في المدينة.
ما المؤشرات التي يمكن الاستناد إليها لقياس مدى نجاح حلول التعويض والإسكان البديل في تلبية احتياجات السكان بعد انتقالهم؟
أهم مؤشر اذا كانت التعويضات مالية فعلينا أن نقيس هل هذه التعويضات تقدم بديل سكنية يتلاءم مع حدود القدرة الاقتصادية للسكان ضمن محيط المدينة وقريبة من الخدمات الحيوية وفرص العمل؟ هل هذه التعويضات سوف تضمن عدم نشوء مناطق عشوائية جديدة على هوامش المدينة وتعيد تدوير العشوائيات في المستقبل؟ المشاركة المجتمعية امر حاسم في عملية التعويض والمناقشة مع السكان في جلسات عمل يمكنها استجلاء العديد من التحديات.
في ضوء مشروع وسط جدة، ما الاعتبارات التخطيطية التي ينبغي مراعاتها لضمان تكامل المشروع مع النسيج العمراني المحيط وتحقيق أثر مستدام على المدينة؟
لابد أن يحقق المشروع اثر ملموس على المجتمع بما في ذلك خلق فرص عمل، خدمات نوعية، وربط وظيفي متكامل. بعبارة أخرى، يجب ألا تكون مشاريع التطوير العمراني عبارة عن كيانات معزولة عن سياقها الحضري لتبدو وكأنها بيئات مستقلة لا تحقق الأثر المستدام ويمكن أن يتحقق ذلك بعدد من المبادئ منها: تكامل شبكات الطرق مع المحيط العمراني، المحافظة على الهوية التاريخية للمدينة، مواءمة استخدامات الأراضي الجديدة مع طبيعة المنطقة واحتياجات السكان والزوار، تنشيط الاقتصاد المحلي ودعم المجتمع المحلي.
كيف ينبغي دمج الاعتبارات البيئية في مشاريع إعادة التطوير، خصوصًا في المناطق الساحلية، منذ مراحل التخطيط والتصميم الأولى؟
ليس فقط الاعتبارات البيئية انا أرى ضرورة ادماج مبادئ الاستدامة في مشاريع التطوير الحضري ويتم ذلك من خلال توظيف العامل الاقتصادي ليكون محركاً داعماً أو أداة لتحقيق مستهدفات التنمية المستدامة. علينا أن نضع ضوابط وتشريعات تؤكد على القيمة المضافة للمشروع اقتصادياً، واجتماعياً وبيئيا بمعنى اخر، هل خلق المشروع فرص عمل جديدة؟ هل ساهم في إيجاد خدمات نوعية للجميع؟ هل عزز العدالة الاجتماعية؟ هل حافظ على هوية المنطقة؟ تحويل هذه التساؤلات إلى تشريعات للمطورين بحيث لا يميل المشروع فقط للجانب الاقتصادي لكن يؤكد على هوية المنطقة ويخدم المجتمع المحلي.
كيف يمكن التمييز بين ارتفاع قيمة العقارات الناتج عن التوقعات الاستثمارية، والارتفاع المدعوم بتحسن فعلي ومستدام في جودة المنطقة وخدماتها؟
يمكن التمييز من خلال تقييم التحسن الفعلي للمشروع والمنطقة المحيطة.. لابد ان ينعكس المشروع على البيئة العمرانية والمجتمع وهذا هو دور التخطيط العمراني. المشاريع العمرانية التي لا تستهدف المجتمع ولا تحقق أي عوائد نفعية هي مجرد هياكل عمرانية مجردة.
ويمكن قياس هذا التحسن من خلال مؤشرات كمية ونوعية بما في ذلك اكتمال البنية التحتية، وتحسن الخدمات، وسهولة الوصول، وارتفاع معدلات الإشغال والطلب الحقيقي. فالارتفاع المدفوع بالتوقعات غالباً لا يصاحبه تحسن ملموس في المنطقة، بينما الارتفاع المستدام يستند إلى قيمة مضافة فعلية تنعكس على جودة الحياة والنشاط الاقتصادي والفرص الوظيفية.
ولذلك من المهم مقارنة نمو الأسعار بمعدلات الإيجارات والإشغال وحجم التعاملات العقارية، بما يساعد على التمييز بين القيمة العقارية المبنية على المضاربة والقيمة الناتجة عن تنمية حضرية حقيقية. أيضا استقراء اراء المجتمع والتقييم والمتابعة تساعد على تكييف المشروع مع احتياجات المجتمع واستهداف جميع شرائح المجتمع وصولاً الى العدالة الحضرية.
ما المعايير التي ينبغي مراعاتها عند نقل تجارب تطوير أواسط المدن إلى مدن سعودية أخرى، مع اختلاف خصائصها العمرانية والاجتماعية والاقتصادية؟
أهم معيار هو عدم استنساخ التجربة بل كما ذكر في السؤال مراعاة اختلاف الخصائص العمرانية والاجتماعية والاقتصادية.. لا بد من تكييف التطوير مع الهوية المحلية للمنطقة وطبيعة الأنشطة الاقتصادية وخصائص السكان والمجتمع المحلي. من الأهمية ان تنعكس عوائد المشروع على المجتمع ليس فقط اقتصاديا وانما اجتماعيا وبيئيا حتى يشعر المجتمع ان هذا التطوير رفع جودة الحياة. في التخطيط العمراني نستفيد من التجارب السابقة كمسار اجرائي وليس بالضرورة أن ننسخ الإطار المادي.. أحيانا الدروس السلبية مفيدة لنا أكثر من الدروس الإيجابية لنفهم كيف يعمل نموذج التطوير ولماذا هناك فجوات في التخطيط أو التنفيذ أو الإدارة أو التقييم.
ما أبرز الممارسات التخطيطية التي تحتاج المدن السعودية إلى تبنيها لضمان استدامة النهضة العمرانية وتحقيق التوازن بين الاستثمار وجودة الحياة؟
تحتاج المدن السعودية الى المزيد من المرونة في الأنظمة التشريعية التي تحفز المستثمرين وتعزز من القيمة المضافة للمشاريع التنموية. والأهم هو الانتقال من التخطيط القائم على التوسع العمراني إلى التخطيط القائم على خلق القيمة الاقتصادية والاجتماعية والمكانية، بما يعزز تنافسية المدن واستدامتها ويرفع جودة الحياة لسكانها.
احياناً يصبح الميل بشكل مباشر للمنتج العمراني دون استيعاب تام للنموذج العمراني بداية من التشريع، والاجراء والتنفيذ وهذا يجعل المدن السعودية في سباق محموم نحو التطوير اللانهائي للمنتج العمراني.. أحياء سكنية تتدهور ثم يتم معالجتها.. أخطاء عمرانية سابقة يتم معالجتها.. أحياء غير مؤنسنة يتم أنسنتها وهكذا تستمر الحلقة بلا توقف.. يصبح قياس النجاح في تحسين البيئة التي انتجها تشريع غير مناسب وفي مسار اجرائي لم يحدد الأدوار الرئيسية للقطاعات المشاركة وأصحاب المصلحة. أرى من الأهمية بناء نموذج عمراني يعمل كموجه ارشادي لعملية التطوير العمراني ويوازن بين البعد الاجتماعي والاقتصادي والبيئي بحيث نصلح البنية التشريعي والاجرائية والتنفيذية ومن هنا تصبح المدن السعودية أكثر استدامة.

د. نوف الغامدي
باحثة في الاقتصاد والحوكمة

د. منصر الحارثي
أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة طيبة

كوثر ابراهيم
مسوقة عقارية