العودة إلى الحوارات

من جدوى المشروعات إلى حوكمة الثروات.. كيف تُدار الاستثمارات العقارية بكفاءة؟

د. نوف الغامدي

باحثة في الاقتصاد والحوكمة

21 أكتوبر 202622 دقيقة قراءة
د. نوف الغامدي

في ظل التحولات التي يشهدها القطاع العقاري السعودي، تبرز أهمية الرؤى الاستراتيجية التي تربط بين قراءة السوق، وكفاءة الاستثمار، واستدامة الأصول. وفي هذه المقابلة مع صحيفة «عقار ميديا»، نستضيف د. نوف عبد العزيز الغامدي، الباحثة في الاقتصاد والحوكمة، عضو مجلس ادارة المركز الوطني للدراسات والبحوث الاجتماعية، للحديث عن رؤيتها لواقع السوق العقاري، والتحديات التي تواجه المستثمرين والشركات العائلية، ودور التخطيط الاستراتيجي في تعزيز كفاءة القرارات الاستثمارية وتحقيق التنمية المستدامة.

بين المسيرة المهنية وقراءة السوق العقاري

دكتورة نوف، بدأتِ مسيرتك في العلوم الطبية والكيمياء الحيوية والهندسة الوراثية، ثم اتجهتِ إلى الاستشارات الإدارية والاستراتيجية. ما الذي دفعكِ إلى هذا التحول المهني؟ وكيف أسهمت خلفيتك العلمية في تشكيل منهجكِ في تحليل القرارات الاقتصادية والاستثمارية؟

لم أنظر إلى انتقالي من العلوم الطبية والتطبيقية إلى الاستشارات الاستراتيجية باعتباره انتقالًا بين تخصصات متباعدة، بل تطورًا في نطاق الأسئلة التي أسعى إلى الإجابة عنها؛ من فهم الأنظمة البيولوجية المعقدة إلى تحليل الأنظمة الاقتصادية والمؤسسية التي تحكم قرارات الاستثمار والنمو.

فالمنهج العلمي يقوم على بناء الفرضيات واختبارها، وفهم العلاقات السببية، والتمييز بين الارتباط والسببية، وتقييم النتائج في ضوء الأدلة. وهذه المبادئ نفسها تشكل أساسًا مهمًا لاتخاذ القرارات الاقتصادية الرشيدة.

في الاستثمار، لا يكفي أن نعرف أن السوق ينمو، بل يجب أن نفهم لماذا ينمو، وما المحركات الهيكلية لهذا النمو، ومدى استمراريتها، وما المخاطر التي قد تؤدي إلى انعكاس الاتجاه.

وقد عززت دراستي في استشراف المستقبل هذا المنهج، من خلال الانتقال من تحليل البيانات التاريخية إلى بناء السيناريوهات المستقبلية، واختبار القرارات تحت ظروف اقتصادية مختلفة.

وأرى أن القيمة الحقيقية للاستشارات الاستراتيجية لا تكمن في التنبؤ بالمستقبل بدقة مطلقة، وإنما في بناء قرارات استثمارية قادرة على الصمود أمام أكثر من مستقبل محتمل.

ومن هنا، فإنني أتعامل مع الاستثمار العقاري باعتباره منظومة اقتصادية تتفاعل فيها تكلفة رأس المال، والديموغرافيا، والتشريعات، والطلب الفعلي، والإنتاجية، والبنية التحتية، وليس مجرد أصل ترتفع قيمته بمرور الوقت.

ما وراء أرقام السوق العقاري

قد ترتفع قيمة الصفقات العقارية وتزداد المشروعات المعلنة، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن السوق يحقق نموًا صحيًا ومستدامًا. من منظورك الاستراتيجي، ما المؤشرات التي تكشف أن السوق ينمو فعليًا، وليس أن أرقامه تتحسن فقط؟

أعتقد أن أحد أهم الأخطاء في قراءة الأسواق العقارية هو الخلط بين ارتفاع القيمة النقدية للتعاملات وبين النمو الاقتصادي الحقيقي للقطاع.

فقيمة التداولات قد ترتفع نتيجة زيادة الأسعار، دون زيادة مماثلة في عدد الوحدات المتداولة أو المساحات المستغلة أو النشاط الاقتصادي الناتج عنها.

ولهذا، فإن تقييم صحة السوق يتطلب النظر إلى خمسة مستويات مترابطة:

عمق الطلب الفعلي: قياس الطلب المدعوم بالقدرة الشرائية والتمويل، وليس الطلب المعلن أو المضاربي، مع متابعة نسبة السعر إلى الدخل وتكاليف التملك.

كفاءة السوق والسيولة: متابعة حجم المعاملات بعد استبعاد أثر تغير الأسعار، ومعدلات امتصاص المعروض، والفترات اللازمة للبيع والتأجير.

جودة التدفقات النقدية: قياس الإشغال الفعلي، وصافي الدخل التشغيلي، واستقرار التحصيل، والعائد الإيجاري مقارنة بقيمة الأصل وتكلفة رأس المال.

التوازن بين العرض والطلب: تحليل المعروض الجاري إنشاؤه مقارنة بالنمو السكاني، وتكوين الأسر، والوظائف الجديدة، والقدرة الاستيعابية لكل منطقة.

المساهمة الاقتصادية الحقيقية: قياس القيمة المضافة للقطاع، وإنتاجيته، وروابطه بالقطاعات الأخرى، بدل الاكتفاء بتقدير قيمة الأصول المتداولة.

ومن المهم أيضًا التمييز بين النمو الاسمي والنمو الحقيقي باستخدام مؤشرات أسعار مناسبة، وعدم اعتبار زيادة الائتمان العقاري دليلًا إيجابيًا بذاتها ما لم تترافق مع قدرة مستدامة على خدمة الدين.

السوق الصحي ليس السوق الذي ترتفع فيه الأسعار باستمرار، بل السوق الذي تتحسن فيه كفاءة تخصيص رأس المال، وتتسع فيه قاعدة المستفيدين، وتبقى عوائده متناسبة مع مخاطره.

قد تبدو دراسة الجدوى متكاملة، ومع ذلك لا تحقق النتائج المتوقعة. ما الافتراضات المالية والتشغيلية التي ينبغي اختبارها قبل الاستثمار، وكيف يمكن قياس قدرة المشروع على تحقيق عوائده في ظل تغير ظروف السوق؟

المشكلة في كثير من دراسات الجدوى ليست بالضرورة في النماذج المالية، وإنما في الافتراضات التي تُبنى عليها هذه النماذج. فقد تظهر الدراسة صافي قيمة حالية موجبًا ومعدل عائد داخلي مرتفعًا، بينما تعتمد النتائج على افتراضات متفائلة بشأن الأسعار، وسرعة المبيعات، وتكاليف التنفيذ، وتوقيت التدفقات النقدية.

لذلك أرى ضرورة اختبار أربعة متغيرات رئيسية: تكلفة التطوير الكلية، وسرعة امتصاص السوق للمنتج، وتكلفة التمويل، والتدفقات النقدية المتوقعة بعد التشغيل. ويجب ألا يقتصر التقييم على سيناريو أساسي واحد، بل ينبغي بناء سيناريوهات مرجعية وسلبية وشديدة الضغط، تتضمن تأخر التنفيذ، وارتفاع تكاليف المقاولات، وتراجع الأسعار أو الإيجارات، وانخفاض الإشغال، وارتفاع أسعار الفائدة. ومن الأدوات المهمة في هذا السياق تحليل الحساسية، وصافي القيمة الحالية (NPV)، ومعدل العائد الداخلي (IRR)، ونسبة تغطية خدمة الدين (DSCR)، مع مراعاة أن المؤشر الأخير أكثر ارتباطًا بالمشروعات الممولة بالدين والتي تولد تدفقات نقدية قابلة لخدمة الالتزامات. كما يجب مقارنة العائد المتوقع بتكلفة رأس المال المعدلة بالمخاطر، وعدم الاكتفاء بكون المشروع مربحًا محاسبيًا. وأشدد على ضرورة التمييز بين ربحية المشروع وقدرته على الاستمرار نقديًا؛ فقد يكون المشروع مربحًا على الورق، لكنه يتعثر نتيجة عدم توافق توقيت الإيرادات مع الالتزامات التمويلية.

بالنسبة لي، دراسة الجدوى الجيدة لا تكتفي بالإجابة عن سؤال: كم سنربح إذا سارت الأمور كما نتوقع؟ بل تجيب عن سؤال أكثر أهمية: ما مقدار الانحراف الذي يستطيع المشروع تحمله قبل أن يفقد جدواه الاقتصادية أو قدرته على الوفاء بالتزاماته؟

أحيانًا يركز المطور العقاري على ما يمكن بناؤه وتحقيق عائد منه، بينما يبحث المستهلك عن منتج يناسب دخله ونمط حياته واحتياجاته. كيف يمكن تحقيق التوازن بين الجدوى الاستثمارية والقيمة الفعلية التي يحصل عليها المستفيد؟

أرى أن العلاقة بين ربحية المطور والقيمة المقدمة للمستفيد يجب ألا تكون علاقة تعارض، لأن المنتج العقاري الذي لا يتوافق مع القدرة الشرائية والاحتياجات الفعلية للعملاء سيواجه في النهاية مخاطر تتعلق بسرعة البيع والإشغال واستدامة الإيرادات. المشكلة تبدأ عندما يُصمم المشروع انطلاقًا من تعظيم المساحة القابلة للبيع فقط، بدلًا من تحديد الشريحة المستهدفة وقدرتها على تحمل التكلفة الكلية للسكن أو الاستخدام. فالقدرة الشرائية لا تُقاس بسعر الوحدة وحده، بل تشمل التمويل والصيانة والخدمات والطاقة والنقل والتكاليف المرتبطة بالموقع. ومن الناحية الاقتصادية، ينبغي أن يبدأ التطوير بتحليل الطلب وفق شرائح الدخل، وحجم الأسرة، وأنماط المعيشة، والقرب من مراكز العمل والخدمات. ثم يأتي دور التصميم والهندسة وإدارة التكاليف في تقديم منتج يحقق التوازن بين الجودة والسعر والعائد الاستثماري. كما أن كفاءة استخدام المساحات، والتصميم المرن، وخفض تكاليف التشغيل على مدى عمر الأصل، يمكن أن تحسن القيمة المقدمة للمستفيد دون أن تؤدي بالضرورة إلى تآكل هوامش المطور. وأعتقد أن المعيار الأهم هو القيمة الاقتصادية الكلية للمنتج طوال دورة حياته، وليس هامش الربح عند البيع فقط. فالمطور الناجح لا يكتفي ببيع وحدات عقارية، بل يقدم منتجًا يستطيع السوق استيعابه، ويحتفظ بقيمته الوظيفية والاقتصادية مع مرور الوقت.

قد يحقق المشروع مبيعات قوية عند إطلاقه، ثم ترتفع تكاليف تشغيله وصيانته أو تتراجع جاذبيته بمرور الوقت. ما المعايير التي ينبغي مراقبتها بعد تشغيل المشروع للتأكد من كفاءته التشغيلية وقدرته على الحفاظ على قيمته وعوائده؟

أحد أوجه القصور في تقييم المشروعات العقارية هو التركيز على نجاح التطوير والبيع، مع إهمال الأداء الاقتصادي للأصل بعد دخوله مرحلة التشغيل.

وأرى أن التشغيل يمثل الاختبار الحقيقي لجودة القرار الاستثماري.

ولهذا يجب متابعة صافي الدخل التشغيلي (NOI)، ومعدلات الإشغال الاقتصادي، ونسب تحصيل الإيجارات، ومعدلات الاحتفاظ بالمستأجرين، والتكاليف التشغيلية كنسبة من الإيرادات. كذلك ينبغي قياس الإنفاق الرأسمالي اللازم للمحافظة على الأصل، وتكلفة الصيانة المؤجلة، وكفاءة استهلاك الطاقة والمياه، ومستوى رضا المستخدمين. ومن المهم عدم الخلط بين صافي الدخل التشغيلي والتدفقات النقدية المتاحة للمستثمر؛ فالأخير يتأثر أيضًا بالنفقات الرأسمالية والتمويل والضرائب أو الزكاة بحسب الحالة. وفي تقييم الأصول المدرة للدخل، ينبغي تحليل العلاقة بين صافي الدخل التشغيلي ومعدل الرسملة (Cap Rate)، لأن قيمة الأصل قد تنخفض حتى مع استقرار إيراداته إذا ارتفعت معدلات العائد المطلوبة في السوق. وهنا تظهر أهمية إدارة الأصول باعتبارها وظيفة استراتيجية، وليست مجرد إدارة مرافق وصيانة.

فاستدامة القيمة العقارية تتحقق عندما يحافظ الأصل على قدرته التنافسية وتوليد تدفقات نقدية مستقرة، وليس عندما ترتفع قيمته التقديرية فقط.

تملك الأجانب ورؤية السعودية 2030

مع دخول نظام تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ في المملكة، كيف تتوقعين أن ينعكس هذا التحول على حجم الطلب، وجاذبية السوق للاستثمار الأجنبي، وأسعار العقارات في المناطق المستهدفة؟

يمثل نظام تملك غير السعوديين للعقار تحولًا هيكليًا في البيئة الاستثمارية السعودية، لأنه يوسع نطاق الوصول إلى السوق، ويعزز فرص استقطاب رؤوس الأموال والخبرات التطويرية الدولية.

وقد دخل النظام حيز النفاذ في 22 يناير 2026، وفق إطار تنظيمي يحدد حقوق التملك والضوابط والنطاقات الجغرافية ذات الصلة. وبالتالي لا ينبغي التعامل معه باعتباره فتحًا غير مشروط للتملك في جميع المواقع ولجميع الفئات.

ومن منظور اقتصادي، أتوقع أن تتباين آثاره وفق ثلاثة عوامل رئيسية:

أولًا: طبيعة التدفقات الاستثمارية. هناك فرق جوهري بين رأس المال الذي يدخل السوق لشراء أصول قائمة، ورأس المال الذي يمول تطوير مشروعات جديدة. الأول قد يرفع الطلب والأسعار في المواقع محدودة المعروض، بينما الثاني يمكن أن يوسع الطاقة الاستيعابية للسوق ويخلق قيمة مضافة وفرص عمل.

ثانيًا: مرونة العرض العقاري. في المناطق التي يمكن فيها زيادة المعروض بسرعة نسبية، قد يتحول جزء كبير من الطلب الإضافي إلى نشاط تطويري. أما المواقع ذات الأراضي المحدودة أو القيود التطويرية المرتفعة، فقد يظهر الأثر بصورة أكبر في الأسعار. ثالثًا: جودة البيئة الاستثمارية. فالمستثمر المؤسسي لا ينظر إلى حق التملك وحده، بل يقيم وضوح الحقوق، وسيولة التخارج، وكفاءة التسجيل، والضرائب والرسوم، واستقرار التدفقات النقدية. ولا أرى أن من الدقة الاقتصادية افتراض أن النظام سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع شامل في أسعار العقارات، أو تحديد نسبة للزيادة دون بيانات فعلية عن حجم الطلب الجديد وتوزيعه الجغرافي. والأثر الأهم الذي ينبغي السعي إليه هو تحويل الانفتاح على الاستثمار الأجنبي من زيادة في الطلب على الأصول إلى زيادة في القدرة الإنتاجية للقطاع العقاري. فعندما يساهم الاستثمار الأجنبي في تطوير المعروض، ونقل الخبرات، وتحسين الجودة، ورفع كفاءة إدارة الأصول، تصبح آثاره الاقتصادية أكثر استدامة من مجرد ارتفاع الأسعار.

كيف يمكن تحقيق التوازن بين جذب الاستثمارات الأجنبية إلى السوق العقاري السعودي، والمحافظة على قدرة المواطنين على التملك، وضمان ألا يؤدي ارتفاع الطلب إلى ضغوط سعرية تتجاوز القدرة الشرائية للفئات المستهدفة؟

التوازن لا يتحقق بتقييد الاستثمار الأجنبي بصورة مطلقة، ولا بترك السوق دون أدوات تنظيمية، وإنما بتصميم سياسات تضمن أن يؤدي الاستثمار الإضافي إلى توسيع المعروض وتحسين كفاءته، بدلًا من زيادة المنافسة السعرية على مخزون سكني محدود. ومن المهم هنا الفصل بين السوق العقاري الاستثماري والسوق السكني الموجه للأسر، لأن طبيعة الطلب والقدرة الشرائية والأهداف الاقتصادية تختلف بينهما. وأرى أن هذا التوازن يقوم على أربعة محاور: توجيه الاستثمار نحو إضافة معروض جديد: من خلال تحفيز التطوير الفعلي، وخاصة المشروعات التي تعالج فجوات واضحة في العرض أو ترفع جودة المنتج العقاري. حماية القدرة الشرائية بصورة مستهدفة: عبر قياس تكلفة السكن إلى الدخل، وعبء التمويل، وتوفير منتجات تتناسب مع شرائح الأسر المختلفة، بدلًا من الاعتماد على الدعم غير الموجه الذي قد يتحول جزئيًا إلى ارتفاع في الأسعار. زيادة مرونة العرض: بتسريع تطوير الأراضي المخدومة، ورفع كفاءة إجراءات التطوير، وربط التوسع العمراني بالبنية التحتية والنقل والخدمات. المراقبة الجغرافية الدقيقة: باستخدام بيانات الأسعار والإيجارات والتداولات والإشغال والائتمان، لرصد أي اختلالات ناشئة في المناطق التي تشهد طلبًا استثماريًا مرتفعًا. كما ينبغي تقييم السياسات بناءً على أثرها الصافي، لا على النوايا التنظيمية وحدها. فقد يؤدي دعم التمويل، مثلًا، إلى تحسين قدرة الأسر على الشراء، لكنه قد يرفع الأسعار إذا لم يستجب المعروض بالسرعة الكافية. ومن هذا المنطلق، فإنني أرى أن الاستثمار الأجنبي الناجح هو الذي يرفع الطاقة الاستيعابية للسوق ويحسن كفاءة رأس المال، دون أن تتحول مكاسبه إلى عبء إضافي على القدرة الشرائية للمواطن

تستهدف رؤية السعودية 2030 تطوير القطاع العقاري، ورفع جودة الحياة، وزيادة مساهمة الاستثمار في الاقتصاد. من منظورك الاستراتيجي، ما المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس مدى نجاح القطاع العقاري في تحقيق هذه المستهدفات؟

أرى أن تقييم مساهمة القطاع العقاري في تحقيق رؤية السعودية 2030 يجب أن يتجاوز مؤشرات الإنشاءات وحجم الاستثمار، إلى قياس النتائج الاقتصادية والاجتماعية الفعلية. فوفق التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025، بلغت نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن 66.24%، مقارنة بمستهدف يبلغ 70% بحلول عام 2030. وهذا تقدم مهم، لكنه لا يغني عن قياس القدرة على تحمل تكاليف السكن وجودته واستدامة أعبائه المالية. وأرى أن قياس النجاح يجب أن يشمل خمسة أبعاد:

البعد الاقتصادي: نمو القيمة المضافة الحقيقية للأنشطة العقارية والإنشائية، وارتفاع إنتاجية العمل ورأس المال، وقدرة القطاع على استقطاب استثمارات طويلة الأجل.

البعد السكني: ارتفاع معدلات التملك المستدام، وتحسن القدرة على تحمل تكاليف السكن، وتنوع الخيارات المناسبة لمختلف شرائح الدخل.

البعد الاستثماري: نمو الأصول المدرة للدخل، وتحسن شفافية السوق وسيولته، وارتفاع كفاءة إدارة المخاطر، وتطور أدوات التمويل والاستثمار العقاري.

البعد العمراني: كفاءة استخدام الأراضي، وسهولة الوصول إلى الوظائف والخدمات، وجودة البنية التحتية، وانخفاض تكاليف التنقل والخدمات الأساسية.

البعد الاجتماعي والبيئي: رضا السكان، وجودة الحياة، وكفاءة استهلاك الموارد، ومرونة الأحياء والمشروعات أمام التغيرات الاقتصادية والمناخية.

ومن المهم كذلك التمييز في الحسابات الاقتصادية بين مساهمة الأنشطة العقارية ومساهمة التشييد والبناء، وتجنب جمع المؤشرات التي قد تتداخل مكوناتها أو تؤدي إلى احتساب الأثر الاقتصادي أكثر من مرة.

وأعتقد أن النجاح الحقيقي للرؤية في هذا القطاع لا يُقاس فقط بعدد الوحدات الجديدة أو حجم الاستثمارات، بل بمدى قدرة التطوير العقاري على تحسين إنتاجية الاقتصاد وجودة حياة السكان في الوقت نفسه.

في ظل المشروعات الكبرى والتحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة، ما المعايير التي تساعد المستثمر على تقييم استدامة الفرص العقارية على المدى الطويل، والتمييز بين الفرص المدعومة بأساس اقتصادي حقيقي وتلك التي تعتمد على توقعات قد لا تتحقق؟

أميز في تقييم الفرص العقارية بين المشروعات التي تستند إلى طلب اقتصادي قابل للقياس، والمشروعات التي تعتمد بصورة أساسية على توقع استمرار ارتفاع أسعار الأصول.

فليس كل مشروع يقع بالقرب من استثمار حكومي كبير يمثل بالضرورة فرصة مجدية، كما أن الإعلان عن بنية تحتية أو مشروع ضخم لا يعني تلقائيًا تحقق الطلب التجاري المتوقع.

ومن منظور استراتيجي، ينبغي للمستثمر اختبار خمسة عناصر.

أولها المحرك الاقتصادي الأساسي للطلب: هل يرتبط المشروع بزيادة فعلية في الوظائف والدخول والسكان والنشاط التجاري، أم بمجرد توقع ارتفاع قيمة الأرض؟

وثانيها توقيت تحقق هذا الطلب؛ لأن وجود فرصة اقتصادية مستقبلية لا يعني بالضرورة أنها ستتحول إلى تدفقات نقدية خلال الفترة التي يستطيع المستثمر تمويلها.

وثالثها قدرة المشروع على المنافسة أمام المعروض المستقبلي، وليس المعروض الحالي فقط.

ورابعها جودة العائد بعد احتساب التمويل والتكاليف والمخاطر، مع تحليل سيناريوهات التأخير وضعف الإشغال وانخفاض الأسعار.

أما العنصر الخامس فهو استراتيجية التخارج، بما يشمل عمق السوق وعدد المشترين المحتملين والسيولة المتوقعة عند نهاية فترة الاستثمار.

وأضيف هنا مفهومًا مهمًا، وهو القيمة الاقتصادية التي يخلقها المشروع بصورة مستقلة عن ارتفاع سعر الأرض.

فإذا كانت جدوى المشروع لا تتحقق إلا بافتراض ارتفاع مستمر في أسعار الأصول، فإن جزءًا جوهريًا من عائده يعتمد على مكاسب رأسمالية غير مضمونة.

أما المشروع الذي يستطيع توليد دخل تشغيلي مستقر، ويلبي طلبًا قابلًا للتحقق، ويحافظ على جدواه تحت سيناريوهات مختلفة، فإنه يمتلك أساسًا اقتصاديًا أكثر متانة.

الاستثمار العقاري واستدامة الثروة

في الشركات العائلية التي تمتلك أصولًا عقارية متعددة، قد تتركز القرارات في يد أفراد محددين، ما يجعل إدارة الثروة مرتبطة بأشخاص أكثر من ارتباطها بمنظومة واضحة. ما الخطوات التي تساعد على بناء حوكمة مؤسسية تضمن وضوح الصلاحيات والمساءلة وكفاءة إدارة الأصول؟

أرى أن التحدي الأكبر في الشركات العائلية ليس حجم الثروة التي تمتلكها، بل مدى قدرتها على الفصل بين الملكية والإدارة والرقابة.

فقد تنجح الشركة لسنوات طويلة اعتمادًا على خبرة المؤسس وعلاقاته، لكنها تصبح أكثر عرضة للمخاطر عندما تزداد الأصول وتتوسع الالتزامات وتتعدد مصالح الملاك.

ومن هنا، فإن التحول إلى الحوكمة المؤسسية يبدأ بتحديد ثلاث دوائر واضحة: حقوق الملاك، وصلاحيات مجلس الإدارة، ومسؤوليات الإدارة التنفيذية.

ويجب أن يتضمن هذا التحول سياسة استثمار مكتوبة تحدد مستويات المخاطر المقبولة، وحدود الاقتراض، ومعايير الاستحواذ والتطوير والتخارج، وقواعد توزيع الأرباح وإعادة استثمارها.

كما أرى ضرورة إنشاء منظومة موحدة لإدارة المحفظة العقارية، تتيح قياس العوائد والمخاطر والسيولة لكل أصل على حدة، ثم على مستوى المحفظة ككل.

ومن المهم وجود تقييمات مستقلة للأصول وفق معايير مهنية معتمدة، وآليات واضحة للتعامل مع تعارض المصالح والأطراف ذات العلاقة، ولجان مختصة بحسب حجم الشركة وتعقيدها.

ولا ينبغي أن تُختزل الحوكمة في اجتماعات مجلس الإدارة أو اعتماد اللوائح؛ بل يجب أن تظهر في جودة القرارات، وتوثيقها، وإمكانية مساءلة المسؤولين عنها.

فالحوكمة الحقيقية تنقل الثروة من الاعتماد على كفاءة الأفراد إلى الاستمرارية من خلال كفاءة المؤسسات.

انتقال الثروة العقارية بين الأجيال لا يقتصر على نقل الملكية، بل يشمل القدرة على إدارة الأصول والمحافظة على عوائدها. كيف يمكن للعائلات المالكة لمحافظ عقارية كبيرة إعداد الجيل القادم لتحمل المسؤولية، مع الحد من الخلافات التي قد تهدد استمرارية الثروة؟

انتقال الثروة بين الأجيال يمثل في جوهره انتقالًا للمسؤولية الاقتصادية، وليس مجرد انتقال للملكية القانونية.

فامتلاك حصة في محفظة عقارية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارتها أو اتخاذ قرارات استثمارية بشأنها.

ولهذا أرى ضرورة الفصل بين تأهيل أفراد العائلة ليكونوا ملاكًا واعين بحقوقهم ومسؤولياتهم، وتأهيل من تتوافر لديهم الكفاءة المهنية لتولي الإدارة.

ويبدأ ذلك ببرنامج منظم للتثقيف المالي والاستثماري، يشمل قراءة القوائم المالية، وتقييم الأصول، وفهم تكلفة رأس المال، وإدارة السيولة والمخاطر، ومبادئ الحوكمة.

ثم تأتي مرحلة المشاركة التدريجية في اللجان ومراجعة القرارات الاستثمارية، مع ربط تولي المناصب التنفيذية بمعايير الكفاءة والخبرة، وليس بالانتماء العائلي وحده.

ومن الأدوات المهمة أيضًا إعداد ميثاق عائلي ينظم العلاقة بين أفراد الأسرة والشركة، ويحدد المبادئ المتعلقة بالتوظيف وتوزيع الأرباح ونقل الحصص وآليات تسوية الخلافات، على أن يُترجم ما يلزم منه إلى وثائق قانونية ملزمة ومتوافقة مع الأنظمة ذات الصلة.

كما ينبغي وضع سياسة واضحة للسيولة والتخارج، لأن بعض النزاعات تنشأ عندما يحتاج أحد الورثة إلى تسييل حصته بينما تكون معظم الثروة مستثمرة في أصول غير سائلة.

وأعتقد أن الحفاظ على الثروة يتطلب إدارة مخاطر التركّز أيضًا؛ فقد تمتلك العائلة أصولًا عقارية كبيرة لكنها تظل معرضة لدورة اقتصادية واحدة أو منطقة جغرافية محددة.

والهدف ليس فقط المحافظة على حجم الثروة الموروثة، بل المحافظة على قدرتها على توليد الدخل والاستمرار والنمو الحقيقي عبر الأجيال.

عندما يُنفذ مشروع كبير أو تتطور منطقة عمرانية جديدة، كيف يمكن قياس أثره الفعلي على النشاط الاقتصادي وفرص العمل وجودة الحياة، والتحقق من أن عوائده التنموية تتجاوز مجرد ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات؟

أرى أن تقييم الأثر الاقتصادي للمشروعات العمرانية يجب أن ينتقل من قياس الإنفاق الرأسمالي إلى قياس القيمة الاقتصادية الصافية التي يضيفها المشروع.

فإنفاق مليارات الريالات على التطوير لا يعني بالضرورة تحقيق أثر تنموي مساوٍ لقيمة هذا الإنفاق، لأن جزءًا من الموارد قد يكون قد انتقل من نشاط اقتصادي آخر، أو من منطقة أخرى، دون إضافة صافية مماثلة للاقتصاد.

ولهذا ينبغي بناء تقييم اقتصادي يعتمد على خط أساس واضح، ومقارنة النتائج الفعلية بما كان يمكن أن يحدث في غياب المشروع.

ويتضمن ذلك قياس الأثر المباشر وغير المباشر والمستحث، مع تجنب الازدواج في احتساب الوظائف والقيمة المضافة.

وفي سوق العمل، يجب التمييز بين الوظائف المؤقتة خلال الإنشاء، والوظائف المستدامة بعد التشغيل، وقياس مستويات الأجور والإنتاجية والمهارات المكتسبة.

أما على مستوى الاقتصاد المحلي، فمن المهم متابعة نشوء الأنشطة التجارية الجديدة، ونمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتحسن الوصول إلى الأسواق والخدمات، وتغير إنتاجية المنطقة.

وفي جانب جودة الحياة، ينبغي قياس زمن التنقل، وتكلفة السكن، وتوافر المساحات العامة، وإمكانية الوصول إلى التعليم والصحة والخدمات، ورضا السكان.

كما يجب تحليل الآثار التوزيعية؛ فقد يرفع المشروع قيمة الأراضي، لكنه قد يؤدي في بعض الحالات إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وإزاحة أنشطة أو سكان من المنطقة.

ولهذا فإنني أرى أن الأثر التنموي الحقيقي لا يُقاس بمقدار ما ارتفعت به أسعار العقارات حول المشروع، بل بمقدار ما أضافه إلى الإنتاجية والدخل وفرص العمل وجودة الحياة، بعد احتساب تكاليفه وآثاره البديلة.

الاستراتيجية وصناعة القرار العقاري

إذا أصبح استخدام عقار قائم غير ملائم للتغيرات الاقتصادية أو لاحتياجات المنطقة المحيطة، فكيف يمكن للمستثمر المفاضلة بين إعادة توظيفه، أو تطويره من جديد، أو بيعه؟ وما الذي يجعل أحد هذه الخيارات أكثر جدوى من غيره؟

هذا القرار يمثل أحد أهم تطبيقات مفهوم تخصيص رأس المال بكفاءة؛ لأن استمرار امتلاك الأصل لا يعني بالضرورة أن الاحتفاظ به هو الخيار الأفضل اقتصاديًا.

وأرى أن المفاضلة يجب أن تقوم على مقارنة القيمة الحالية الصافية للتدفقات النقدية المستقبلية لكل بديل، مع مراعاة المخاطر والتكاليف والقيود التنظيمية.

الخيار الأول هو إعادة توظيف الأصل، ويكون مناسبًا عندما تسمح خصائص المبنى وموقعه وتحليل الطلب بتحويله إلى استخدام أكثر إنتاجية، بتكلفة أقل ومخاطر تنفيذية أدنى من إعادة التطوير.

الخيار الثاني هو إعادة التطوير، ويصبح أكثر جاذبية عندما تكون القيمة الاقتصادية للاستخدام الجديد، بعد خصم تكاليف الهدم والبناء والتمويل والتأخير والمخاطر، أعلى من قيمة الأصل في استخدامه الحالي والبدائل المتاحة.

أما الخيار الثالث فهو البيع، ويكون منطقيًا عندما تتجاوز حصيلة البيع الصافية القيمة الاقتصادية المتوقعة من الاحتفاظ بالأصل، أو عندما تتوافر فرص استثمارية بديلة تحقق عائدًا أفضل بعد تعديل المخاطر.

ومن الأخطاء الشائعة مقارنة تكلفة التطوير بالقيمة الدفترية للأصل فقط؛ فالمعيار الاقتصادي الصحيح هو تكلفة الفرصة البديلة، أي قيمة ما يتنازل عنه المستثمر نتيجة اختياره أحد البدائل.

كما يجب مراعاة الضرائب والرسوم المطبقة، والالتزامات التعاقدية، والتراخيص، والأثر المحتمل لفترة توقف الإيرادات.

وأضيف أن القرار ينبغي أن يأخذ في الاعتبار قيمة المرونة المستقبلية؛ فقد يكون تأجيل التطوير لفترة محددة أكثر جدوى من اتخاذ قرار فوري إذا كانت المعلومات الجديدة المتوقعة ستخفض درجة عدم اليقين بما يكفي لتبرير الانتظار.

فالهدف ليس تعظيم قيمة العقار في صورته الحالية، وإنما تعظيم القيمة الاقتصادية لرأس المال المستثمر فيه، بما يشمل خيار إعادة تخصيصه إلى استخدام آخر.

قد تستمر شركة عقارية في تطبيق استراتيجية حققت نجاحًا في مرحلة سابقة، رغم تغير ظروف السوق وتكاليف التمويل وسلوك العملاء. ما المؤشرات التي تدل على أن نموذج عمل الشركة نفسه يحتاج إلى مراجعة استراتيجية شاملة، وليس مجرد تحسينات في الأداء التشغيلي؟

أميز بين تراجع الأداء الناتج عن ضعف التنفيذ، وبين تراجع الأداء الناتج عن فقدان نموذج العمل لقدرته على خلق القيمة.

فإذا كانت المشكلة مرتبطة بارتفاع تكلفة محددة أو تأخر مشروع أو ضعف إجراء تشغيلي، فقد تكون المعالجة الإدارية كافية.

أما إذا أصبحت الشركة تواجه تراجعًا مستمرًا في قدرتها على تحقيق عوائد تتجاوز تكلفة رأس المال، رغم تحسن الكفاءة التشغيلية، فإن المشكلة قد تكون استراتيجية.

ومن أبرز المؤشرات التي أراقبها:

انخفاض العائد على رأس المال المستثمر (ROIC) بصورة مستمرة مقارنة بتكلفة رأس المال المناسبة للمخاطر.

تراجع سرعة المبيعات أو معدلات الإشغال عبر عدة مشروعات، بما يشير إلى اختلال في ملاءمة المنتج للطلب.

الاعتماد المتزايد على الاقتراض أو بيع الأصول لتمويل الالتزامات التشغيلية.

تآكل الهوامش نتيجة تغير هيكلي في تكاليف الأراضي أو البناء أو التمويل، لا نتيجة ارتفاع مؤقت في التكاليف.

ظهور منافسين يقدمون قيمة أعلى أو نموذجًا أكثر كفاءة في استخدام رأس المال.

ارتفاع تركّز الإيرادات في نوع واحد من الأصول أو منطقة واحدة، بما يزيد التعرض للمخاطر الدورية.

لكن هذه المؤشرات لا تكفي منفردة للحكم؛ إذ يجب تحليلها مقارنة بالدورة العقارية، وأداء المنافسين، والتغيرات الاقتصادية العامة.

وأرى أن المراجعة الاستراتيجية تبدأ بإعادة اختبار الفرضيات التي تأسس عليها نموذج العمل: من هو العميل؟ وما القيمة التي نقدمها؟ وكيف نحقق الإيرادات؟ وما حجم رأس المال المطلوب لتحقيق كل ريال من العائد؟

وقد تكشف هذه المراجعة أن الشركة بحاجة إلى الانتقال من نموذج يعتمد على شراء الأراضي وتطويرها وبيعها، إلى نموذج أكثر تنوعًا يشمل إدارة الأصول أو التطوير بالشراكة أو تحقيق إيرادات تشغيلية متكررة.

لكن هذا الانتقال ليس بالضرورة الخيار الصحيح لكل شركة؛ فالأفضلية تعتمد على قدراتها التنافسية وهيكل رأس مالها وطبيعة الطلب الذي تخدمه.

التحول الاستراتيجي يصبح ضرورة عندما لا تعود التحسينات التشغيلية قادرة على معالجة الخلل في اقتصاديات نموذج العمل نفسه.

أحيانًا يتمسك المستثمر بمشروع رغم ظهور مؤشرات واضحة على تراجع جدواه، بسبب ما أنفقه عليه من أموال ووقت وجهد، أو خشية الاعتراف بأن قراره السابق لم يكن موفقًا. كيف يمكن لصانع القرار تجاوز هذا الانحياز، وتحديد اللحظة المناسبة لإيقاف الاستثمار أو تقليصه دون أن تتحول الخسائر السابقة إلى خسائر أكبر؟

هذا السؤال يرتبط بأحد أكثر الانحيازات تأثيرًا في القرارات الاستثمارية، وهو انحياز التكلفة الغارقة (Sunk Cost Fallacy)، حيث يستمر المستثمر في تخصيص رأس مال إضافي لمشروع متعثر، ليس لأن مستقبله الاقتصادي يبرر ذلك، بل بسبب الأموال والوقت والجهد التي أنفقها سابقًا.

والقاعدة الاقتصادية الأساسية هنا هي أن التكاليف التي أُنفقت ولا يمكن استردادها يجب ألا تتحكم في القرار المستقبلي.

فالسؤال الصحيح ليس: كم أنفقنا على المشروع حتى الآن؟ وإنما: هل يحقق رأس المال الإضافي الذي سنستثمره من اليوم عائدًا متوقعًا يبرر المخاطر مقارنة بالبدائل المتاحة؟

ولمعالجة هذا الانحياز، أرى ضرورة وضع معايير قرار واضحة منذ مرحلة اعتماد الاستثمار، تشمل حدود تجاوز التكاليف، ومستويات الأداء المقبولة، ومواعيد مراجعة الجدوى، وشروط الاستمرار أو إعادة الهيكلة أو الإيقاف.

كما ينبغي إجراء تقييم مستقل عند ظهور انحرافات جوهرية، بحيث لا يكون الفريق الذي اتخذ القرار الأصلي هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن تقييم استمراره.

ومن المهم أيضًا التفريق بين ثلاثة قرارات مختلفة: إيقاف ضخ استثمارات جديدة، أو استكمال الحد الأدنى اللازم لحماية القيمة المتبقية، أو التخارج الكامل من المشروع.

فالإيقاف الفوري ليس دائمًا القرار الأفضل؛ إذ قد تكون تكلفة استكمال المشروع أقل من القيمة الإضافية التي سيولدها، حتى وإن أصبح إجمالي المشروع أقل ربحية مما كان متوقعًا عند البداية.

ويجب عند المقارنة احتساب التدفقات النقدية المستقبلية القابلة للتحقق، وتكاليف الإنهاء، والالتزامات التعاقدية، والقيمة الممكن استردادها من الأصول، وتكلفة الفرصة البديلة.

وأعتقد أن النضج الاستثماري يظهر في القدرة على تغيير القرار عندما تتغير المعطيات، دون اعتبار ذلك إخفاقًا شخصيًا.

فالخسارة السابقة لا يمكن تغييرها، لكن يمكن منعها من أن تصبح مبررًا لخسارة أكبر. والاستثمار الرشيد لا يقوم على الدفاع عن القرارات الماضية، بل على حماية القيمة الاقتصادية المستقبلية.

أكثر من الحوارات