العودة إلى الحوارات

الصحفي العقاري.. تخصص مهني تفرضه تحولات السوق السعودي

د. منصر الحارثي

أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة طيبة

11 أكتوبر 202612 دقيقة قراءة
د. منصر الحارثي

مع تطور السوق العقاري السعودي واتساع تأثيره الاقتصادي والاجتماعي، تبرز الحاجة إلى صحافة تتجاوز نقل أخبار المشروعات والصفقات إلى تفسير تحولات السوق ومساءلة أطرافه.

في هذا الحوار مع «عقار ميديا»، يناقش الدكتور منصر بن عوض الحارثي، الأستاذ المساعد بقسم الاتصال والإعلام بجامعة طيبة، أسباب محدودية حضور الصحفي العقاري بوصفه تخصصًا مهنيًا مستقلًا، ودوره في تفسير القرارات والأنظمة، ومتطلبات تأهيله، وحدود استقلاليته، ومستقبل الصحافة العقارية في السعودية.

بين الأكاديمية والممارسة

دكتور، حدثنا عن خلفيتك الأكاديمية والمهنية، وكيف بدأت علاقتك بالصحافة؟

أنا الدكتور منصر بن عوض الحارثي، أستاذ مساعد في قسم الاتصال والإعلام بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة طيبة. تخصصي الأكاديمي والمهني هو الاتصال والإعلام، وبدأت علاقتي بالصحافة منذ دراستي الجامعية في تخصص الصحافة بجامعة الملك سعود، ثم امتدت هذه العلاقة أكاديميًا ومهنيًا خلال دراستي للماجستير في الاتصال الجماهيري، بتخصص الصحافة، في جامعة ولاية أركنساس، ثم الدكتوراه في علوم الاتصال والمعلومات من جامعة ألاباما في الولايات المتحدة.

إلى جانب الجانب الأكاديمي والبحثي، بقيت علاقتي بالممارسة الصحفية مستمرة من خلال الكتابة الصحفية والمقال، ومن خلال اهتمامي بقضايا الصحافة والإعلام السعودي وتدريس عدد من المقررات الصحفية. ولذلك أنظر إلى الصحافة من زاويتين متكاملتين: زاوية الممارس الذي يعرف طبيعة العمل الصحفي وضغوطه اليومية، وزاوية الأكاديمي الذي ينظر إلى المهنة من حيث تطورها ومعاييرها وتأثيرها في المجتمع.

وكان للدراسة في الولايات المتحدة أثر مهم في تكوين هذه النظرة؛ لأنني شاهدت هناك كيف تطورت فكرة الصحفي المتخصص في ملف أو قطاع محدد، أو ما يعرف في الصحافة الأمريكية بالـ Beat Journalism. الصحفي قد يقضي سنوات في تغطية قطاع واحد، فيصبح لديه مع الوقت معرفة تراكمية، وشبكة مصادر، وذاكرة للقطاع، وقدرة على قراءة البيانات وتفسيرها، وليس مجرد نقل الأخبار.

وهذه النقطة في رأيي أساسية جدًا عندما نتحدث عن «الصحفي العقاري»؛ فنحن لا نتحدث عن صحفي يكتب عن العقارات فقط، وإنما عن صحفي يبني معرفة تراكمية بقطاع اقتصادي واجتماعي شديد التعقيد.

الصحفي العقاري: التخصص والهوية

برأيك، لماذا لم يتبلور الصحفي العقاري بوصفه تخصصًا مهنيًا مستقلًا، على غرار تخصصات صحفية اقتصادية أخرى؟

ظهور الصحافة المتخصصة كان نتيجة طبيعية لتعقّد المجتمعات الحديثة. عندما كانت القضايا العامة أقل تعقيدًا، كان بإمكان الصحفي العام أن يغطي مجموعة واسعة من الموضوعات. لكن مع تطور الاقتصاد والطب والقضاء والتقنية والعلوم والأسواق المالية، أصبح من الصعب على الصحفي أن يفهم كل هذه المجالات بالعمق نفسه.

ومن هنا ظهرت الحاجة إلى الصحفي المتخصص. والتخصص هنا لا يعني فقط معرفة المصطلحات، وإنما معرفة تاريخ الملف، والأنظمة التي تحكمه، والجهات الفاعلة فيه، ومصادر المعلومات، والبيانات التي ينبغي مراقبتها، والقدرة على اكتشاف ما هو طبيعي وما هو استثنائي داخل هذه البيانات.

والولايات المتحدة تقدم لنا مثالًا مهمًا في مجال العقار تحديدًا. فهناك جمعية وطنية لمحرري العقار National Association of Real Estate Editors تأسست منذ عام 1929، أي أن فكرة الصحفي المتخصص في العقار هناك ليست ظاهرة جديدة. وتضم صحفيين ومحررين يتابعون الإسكان والعقار التجاري والتمويل والرهن العقاري والسياسات الإسكانية والتخطيط واستخدامات الأراضي.

إذن، التخصص الصحفي لم يظهر لإضافة مسميات وظيفية جديدة، وإنما لأن تعقّد القطاعات أصبح يتطلب صحفيًا يفهم القطاع قبل أن يكتب عنه.

لدينا اليوم صحافة سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وتقنية وغيرها، لكن لا يزال مصطلح «الصحفي العقاري» أقل حضورًا بوصفه تخصصًا مستقلًا. برأيك، لماذا حدث هذا التفاوت؟

أعتقد أن هناك أكثر من سبب. أولها أن العقار ظل فترة طويلة يُنظر إليه داخل كثير من المؤسسات الإعلامية باعتباره جزءًا من الصحافة الاقتصادية، وليس قطاعًا مستقلًا يحتاج إلى صحفي متخصص.

والسبب الآخر أن العلاقة بين الإعلام والعقار ارتبطت تاريخيًا بدرجة كبيرة بالإعلانات: بيع الأراضي، والفلل، والمشروعات، والمزادات، وإعلانات المطورين. ولذلك حدث أحيانًا خلط بين «المحتوى العقاري» و«الصحافة العقارية»، بينما هما أمران مختلفان.

المحتوى العقاري قد يقول لك: هناك مشروع جديد بقيمة عدة مليارات من الريالات. لكن الصحفي العقاري يسأل: أين يقع المشروع؟ كم وحدة سيضيف إلى السوق؟ ما الفئة المستهدفة؟ ما مستوى الأسعار؟ هل تتناسب مع القدرة الشرائية للفئة المستهدفة؟ متى يتم التسليم؟ وما أثر المشروع على الحي المحيط والأسعار والإيجارات والبنية التحتية؟

وفي الولايات المتحدة تجاوزت المؤسسات الإعلامية هذا التصور منذ فترة طويلة؛ فنجد صحفيين وأقسامًا متخصصة في العقار والإسكان في مؤسسات إعلامية واقتصادية كبيرة، بل نجد تخصصًا أدق داخل الصحافة العقارية نفسها: صحفي للعقار التجاري، وآخر للإسكان، وآخر للتمويل والرهن العقاري.

وأعتقد أن السوق السعودي وصل اليوم إلى درجة من النضج والتعقيد تجعل استمرار التعامل مع العقار بوصفه مجرد خبر اقتصادي فرعي أمرًا يحتاج إلى إعادة نظر.

هل طبيعة القطاع العقاري وتداخله مع الاقتصاد والتمويل والإسكان والتخطيط والتنظيم تجعل من الصعب وضع حدود واضحة لمهنة «الصحفي العقاري»؟

على العكس، أرى أن هذا التعقيد هو أحد أهم المبررات لوجود الصحفي العقاري.

العقار يتقاطع مع الاقتصاد والتمويل وأسعار الفائدة والتخطيط الحضري وأنظمة البناء والنقل وجودة الحياة والاستثمار والضرائب والرسوم والتركيبة السكانية. لكن هذا التداخل لا يلغي التخصص.

الصحفي الرياضي، مثلًا، يتعامل مع الاقتصاد والاستثمار والقانون، لكنه يبقى صحفيًا رياضيًا. والصحفي الصحي يتعامل مع الاقتصاد والتأمين والتشريعات، ومع ذلك يبقى تخصصه واضحًا.

إذن المطلوب ليس بناء جدار حول الصحفي العقاري، وإنما أن يكون هو نقطة الارتكاز داخل غرفة الأخبار عندما يتعلق الموضوع بالعقار، ثم يعمل بصورة تكاملية مع الصحفي الاقتصادي وصحفي البيانات والصحفي المتخصص في الشؤون القانونية أو البلدية.

من نقل الخبر إلى مساءلة السوق

ما الدور الذي ينبغي أن يؤديه الصحفي العقاري في تفسير السوق ومتابعة القرارات والأنظمة، إلى جانب نقل الأخبار؟

أرى أن وظيفته الأساسية هي التفسير والمساءلة، وليس نقل الأخبار فقط.

لدينا اليوم في السعودية قطاع عقاري يشهد تحولات تشريعية وتنظيمية كبيرة. لدينا نظام الوساطة العقارية، والتسجيل العيني للعقار، وتنظيم البيع والتأجير على الخارطة، والمساهمات العقارية، ورسوم الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة، ومنظومة «إيجار»، بالإضافة إلى التنظيمات المرتبطة بتملك غير السعوديين للعقار.

هذه الأنظمة بالنسبة للصحفي ليست مجرد بيانات صحفية يعاد نشرها. المطلوب أن يشرح: ماذا يعني القرار للمواطن؟ وماذا يعني للمستأجر؟ وللمالك؟ وللمطور؟ وللمستثمر؟

خذ مثلًا تنظيم العلاقة الإيجارية في الرياض والضوابط المتعلقة بالزيادات الإيجارية. الصحافة الجيدة لا تتوقف عند يوم إعلان القرار، وإنما تعود بعد ستة أشهر أو سنة وتسأل: ماذا حدث للأسعار؟ هل زاد المعروض؟ هل تغير سلوك الملاك؟ ما أثر القرار على المستأجرين؟ وهل ظهرت آثار غير مقصودة؟

وكذلك الأمر بالنسبة للنظام الجديد لتملك غير السعوديين للعقار. القصة الصحفية لا تنتهي عند السماح أو المنع، وإنما تبدأ من أثر ذلك على الطلب والاستثمار والأسعار والمشروعات والتوزيع الجغرافي للاستثمارات.

الصحفي العقاري الجيد يلاحق أثر القرار، وليس القرار فقط.

ما الملفات العقارية التي تحتاج إلى متابعة صحفية مستمرة، بعيدًا عن أخبار المشروعات والصفقات؟

أعتقد أن التحول الأهم الذي نحتاج إليه هو الانتقال من صحافة المشروع العقاري إلى صحافة السوق العقاري.

لدينا ملفات تستحق متابعة مستمرة مثل القدرة على تحمل تكاليف السكن، وأسعار الأراضي، والإيجارات، والتمويل العقاري، ونسبة دخل الأسرة التي تذهب إلى السكن، والمعروض الحقيقي من الوحدات، والوحدات الشاغرة، وتأخر تسليم المشروعات، والبيع على الخارطة، والتقييم العقاري، وجودة البناء، والمخططات الجديدة، والنقل العام وعلاقته بقيمة الأراضي، والمساهمات العقارية، والإعلانات العقارية، والممارسات التسويقية.

كذلك رسوم الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة مثال مهم. الصحفي لا ينبغي أن يكتفي بالقول إن رسومًا فرضت، بل يسأل بعد ذلك: هل دفعت هذه الرسوم الملاك إلى تطوير الأراضي؟ هل زاد المعروض؟ هل أثرت في الأسعار؟ وأين ظهرت آثارها بصورة أكبر؟

وأعتقد أننا نحتاج أيضًا إلى النظر للعقار باعتباره قضية اجتماعية وليس اقتصادية فقط. العقار هو البيت الذي تعيش فيه الأسرة، والحي الذي يعيش فيه الطفل، والمسافة بين المنزل والعمل، والمدرسة والخدمات وجودة الحياة.

ولذلك أقول دائمًا: خلف كل رقم عقاري توجد قصة إنسانية.

التأهيل: أي طريق يصنع الصحفي العقاري؟

ما التأهيل الأنسب للصحفي العقاري: الدراسة الأكاديمية أم التدريب المتخصص أم الخبرة الميدانية؟

الصحفي العقاري يحتاج أولًا إلى أساس صحفي قوي، ثم يحتاج إلى معرفة تخصصية.

أنا لا أرى أن يتحول الصحفي إلى وسيط عقاري أو مطور أو مستشار استثماري؛ لأن وظيفته في النهاية صحفية. لكنه يحتاج إلى قدر من المعرفة يجعله قادرًا على طرح السؤال الصحيح وفهم الإجابة.

يحتاج إلى معرفة أساسيات الاقتصاد والتمويل العقاري، وأسعار الفائدة، والتمويل والرهن، والتقييم العقاري، وأنظمة الملكية والإيجار والتخطيط والبناء، إضافة إلى القدرة على قراءة البيانات وتحليلها.

ولهذا أعتقد أن النموذج الأفضل هو: تعليم صحفي أكاديمي + تدريب متخصص + ممارسة ميدانية مستمرة.

وفي الولايات المتحدة نجد برامج تطوير مهني للصحفيين العقاريين تشمل تحليل البيانات والصحافة الاستقصائية وقضايا الإسكان والعقار التجاري وغيرها.

وأرى أنه يمكن في السعودية تطوير برامج تدريبية مشتركة بين كليات وأقسام الإعلام والجهات العقارية والتنظيمية والمهنية، مع الحفاظ دائمًا على استقلال الصحفي؛ فالجهة المتخصصة يمكن أن تعلمه كيف يعمل السوق، لكنها لا ينبغي أن تحدد له كيف يغطيه.

الاستقلالية في مواجهة المصالح

في التغطية العقارية، كيف يتعامل الصحفي مع تضارب المصالح المحتمل بين الجهات التنظيمية والمطورين والمستثمرين والخبراء؟ وما الضوابط التي تحمي استقلالية المادة الصحفية؟

هذه من أكثر القضايا حساسية؛ لأن السوق العقاري سوق مالي ضخم، وفيه مطورون وملاك ومستثمرون ووسطاء وممولون ومعلنون وجهات تنظيمية، ولكل جهة مصالحها.

والقاعدة بالنسبة لي واضحة: الصحفي لا يعمل لدى السوق، وإنما يراقب السوق نيابة عن الجمهور.

ولهذا يجب الفصل بوضوح بين الإدارة التحريرية والإعلان والمبيعات. إذا كان مطور عقاري يعلن بمبالغ كبيرة في مؤسسة إعلامية، فلا ينبغي أن يمنحه ذلك حصانة من النقد أو قدرة على التأثير في التغطية.

كذلك ينبغي للصحفي ألا يعتمد على المطور أو الوسيط كمصدر وحيد. إذا قال المطور إن مشروعه سيغير السوق، فمن واجب الصحفي أن يسأل خبيرًا مستقلًا، وينظر في البيانات، ويسأل الجهات التنظيمية، وربما يتحدث إلى المشترين أنفسهم.

وهنا يمكن الاستفادة من التجربة الأمريكية؛ فمدونة أخلاقيات Society of Professional Journalists تشدد على تجنب تضارب المصالح، ورفض الهدايا والمزايا التي قد تؤثر في الاستقلالية، ومقاومة ضغوط المعلنين، والفصل الواضح بين الإعلان والمحتوى التحريري.

وأعتقد أن هذه النقطة شديدة الأهمية في الصحافة العقارية السعودية تحديدًا؛ لأن الحدود بين الإعلان والمحتوى الصحفي يمكن أن تصبح ضبابية إذا لم تكن هناك سياسات تحريرية واضحة.

التكامل المؤسسي والمسار المهني

ما الذي يضيفه الصحفي العقاري إلى غرفة الأخبار، وكيف يتكامل مع الصحفيين المتخصصين في الاقتصاد والإسكان والاستثمار؟

ينبغي أن تكون علاقة تكامل وليست منافسة.

إذا كانت القصة عن التمويل العقاري، يمكن للصحفي العقاري أن يعمل مع الصحفي الاقتصادي. وإذا كانت عن تنظيم الأراضي أو التخطيط الحضري، يعمل مع الصحفي المختص بالشؤون البلدية. وإذا كانت عن تأثير ارتفاع الإيجارات على الأسر، فالقصة تحتاج إلى بعد اجتماعي وصحافة بيانات أيضًا.

والتجربة الأمريكية مفيدة هنا. الصحفيون المتخصصون في الإسكان والعقار يتابعون بصورة مستمرة بيانات تصاريح البناء، وبدايات إنشاء المساكن، والمبيعات، والمخزون، والأسعار، والتمويل والرهن العقاري، ثم يربطونها بأسعار الفائدة والاقتصاد وسوق العمل والهجرة الداخلية بين المدن والولايات.

وأرى أن الصحفي العقاري السعودي يحتاج إلى ما يمكن أن نسميه لوحة مؤشرات عقارية خاصة به يراقبها بصورة مستمرة: الأسعار، وحجم الصفقات، والإيجارات، والتمويل، وأسعار الأراضي، والمعروض، والمشروعات الجديدة، والتشريعات.

وهكذا ننتقل من صحافة المناسبات إلى صحافة المتابعة.

هل ترى أن «الصحفي العقاري» يمكن أن يتحول إلى مسار مهني واضح له مسمى وظيفي ومعايير مهنية وفرص للتطور؟ وما الذي يتطلبه ذلك، خصوصًا في ظل تطور الصحافة العقارية في السعودية؟

نعم، وأعتقد أن هذا المسار سيظهر لدينا عاجلًا أم آجلًا.

التجربة الأمريكية تقدم دليلًا واضحًا؛ فهناك مسميات وظيفية فعلية مثل Real Estate Reporter وHousing Reporter وReal Estate Editor وCommercial Real Estate Reporter، وهناك جمعية مهنية متخصصة في صحافة العقار منذ عام 1929، إضافة إلى التدريب والجوائز والمسارات المهنية.

وفي السعودية أعتقد أننا نحتاج إلى أربعة أمور رئيسة: أولًا، اعتراف المؤسسات الإعلامية بالعقار كتخصص تحريري واضح. ثانيًا، وضع كفايات ومعايير مهنية للصحفي العقاري. ثالثًا، توفير التدريب المتخصص. ورابعًا، إتاحة البيانات العقارية بصورة تسمح للصحفي بالتحليل والمقارنة والمساءلة.

وأضيف نقطة أراها شديدة الأهمية: لا ينبغي أن تولد الصحافة العقارية السعودية من رحم التسويق العقاري، وإنما من رحم الصحافة الاقتصادية والاجتماعية والاستقصائية.

لأننا إذا بدأنا من الإعلان فقد ننتج «مسوقًا يعرف شيئًا عن الصحافة»، بينما المطلوب هو «صحفي يفهم العقار».

وهذا فرق جوهري.

كيف نميز الصحفي العقاري عن المؤثر والوسيط العقاري، خصوصًا مع انتشار المحتوى العقاري عبر منصات التواصل الاجتماعي؟

أعتقد أن هذا من أهم الأسئلة اليوم.

الوسيط العقاري لديه وظيفة واضحة ومشروعة، وهي الوساطة في الصفقة وفق الأنظمة المنظمة لذلك. والمطور وظيفته تطوير المنتج وبيعه. والمؤثر أو صانع المحتوى قد يقدم مراجعات أو معلومات أو تجارب حول العقار.

لكن الصحفي مختلف عن هؤلاء جميعًا.

الصحفي لا يفترض أن تكون لديه مصلحة في إتمام الصفقة. لا ترتفع عمولته إذا ارتفع السعر، ولا يحصل على نسبة إذا اشترى الجمهور المشروع الذي كتب عنه.

وظيفته أن يسأل نيابة عن الجمهور.

ولهذا عندما يقول المطور: «هذا أفضل مشروع في المنطقة»، فالصحفي لا يعيد العبارة، وإنما يسأل: بناء على ماذا؟ وما الأسعار مقارنة بالمشروعات المحيطة؟ وما سجل المطور في التسليم؟ وما جودة البناء؟ وما الخدمات؟ وما التزامات المشتري؟

الفرق الأساسي إذن هو المصلحة والاستقلالية والمنهج.

وقد يقدم المؤثر محتوى عقاريًا ممتازًا، وقد يمتلك الوسيط معرفة بالسوق تفوق معرفة كثير من الصحفيين، لكن ذلك لا يجعله صحفيًا؛ لأن الصحافة لها وظيفة مختلفة أساسها خدمة المصلحة العامة والتحقق والاستقلال والمساءلة.

مستقبل الصحافة العقارية في المملكة

كيف ترى مستقبل الصحافة العقارية في السعودية؟

أنا متفائل جدًا بمستقبلها؛ لأن الحاجة إليها أصبحت أكبر من أي وقت مضى.

السوق السعودي اليوم يمر بتحول استثنائي: مشروعات كبرى، وتوسع حضري، وتشريعات جديدة، وتحولات في الملكية والإيجار، واستثمارات محلية ودولية، وتطور في التمويل والتقنية العقارية PropTech، بالإضافة إلى مستهدفات الإسكان وجودة الحياة ورؤية السعودية 2030.

كل هذا يعني أننا لا نحتاج فقط إلى مزيد من الأخبار العقارية، وإنما إلى صحافة عقارية أفضل.

وأعتقد أننا بحاجة إلى إعادة صياغة السؤال نفسه. بدلًا من أن نسأل: «هل نحتاج إلى صحفي عقاري؟»، ربما يكون السؤال الأدق: هل يستطيع قطاع بحجم وتأثير القطاع العقاري السعودي أن يستمر من دون صحافة متخصصة تراقبه وتفسره للمجتمع؟

في الولايات المتحدة أدركت المؤسسات الإعلامية منذ عقود طويلة أن العقار ليس مجرد بيع وشراء منازل، بل هو ملف اقتصادي واجتماعي وسياسي وتنظيمي؛ ولذلك ظهر الصحفي المتخصص في الإسكان والعقار التجاري والتمويل والسياسات السكنية.

وأعتقد أننا في السعودية وصلنا إلى مرحلة مشابهة من حيث الحاجة إلى التخصص.

فالصحافة العقارية التي نحتاج إليها ليست صحافة تقول للناس: ماذا حدث في السوق اليوم؟

بل صحافة تجيب عن ثلاثة أسئلة أهم:

لماذا حدث؟

من يتأثر به؟

وماذا يعني ذلك للمجتمع والسوق في المستقبل؟

وهنا تحديدًا تكمن قيمة الصحفي العقاري المتخصص.

أكثر من الحوارات